ابن عجيبة
265
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : لا حرج عليكم من إثم أو صداق ، إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مدة كونكم لَمْ تَمَسُّوهُنَّ بالجماع ، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً من الصداق ، فطلقوهن حينئذ ، وَمَتِّعُوهُنَّ أي : أعطوهن ما يتمتعن به ويجبر كسرهن ، على قدر حال الزوج ؛ عَلَى الْمُوسِعِ أي : الغنى ، قَدَرُهُ من المتعة كأمة أو كسوة أو مال يليق بحاله ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ أي : الذي تقتر رزقه ، أي ضيق عليه ، وهو الفقير ، قَدَرُهُ ما يقدر عليه ، فمتعوهن مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ من غير سرف ولا تقتير ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ أي : حق ذلك عليهم حقا . حمل مالك الأمر على الندب ، وحمله غيره على الوجوب ، وهو الظاهر . وإن طلقتموهن بعد المسيس فالصداق كامل ، وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ صداقا فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ يجب عليكم ، إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي : النساء ، عن نصف الصداق ، أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ، وهو الأب في ابنته البكر ؛ قاله مالك ، أو الزوج بأن يدفعه كاملا ، قاله الشافعي ، وَأَنْ تَعْفُوا أيها الأولياء عن الزوج ، فلا تقبضوا منه شيئا ، أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ؛ لأن المرأة لم يذهب لها شئ فسلعتها قائمة ، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ والإحسان بَيْنَكُمْ ، فتسامحوا يسمح لكم ، إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يخفى عليه شئ من أعمالكم ، فيجازى المحسن بإحسانه ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * . الإشارة : من المريدين من تحصل له الغيبة عن نفسه ، والجذب عنها ، بعد أن يمسها بالمجاهدة والمكابدة ، فحينئذ يمتعها بالشهود والعيان ، وهذه طريق الجادة . ومنهم من تحصل له الغيبة عن نفسه والجذب عنها قبل أن يمسها ، ويجاهدها ، وهو نادر بالنسبة إلى الأول ، فيقال لهؤلاء الفريق : لا جناح عليكم إن طلقتم أنفسكم ، وغبتم عنها ، من قبل أن تمسوها ، وقبل أن تعرضوا عليها وظائف العبودية . ومتعوهن بالشهود والعيان على قدر وسعكم وقوة شهودكم ، على الموسع قدره من لذة الشهود ، وعلى المقتر - أي : المضيق عليه في المعرفة - قدره من لذة الشهود ، حق ذلك حقا على المحسنين الذين حازوا مقام الإحسان ، وفازوا بالشهود والعيان . وإن حصل لكم جذب العناية ، وطلقتم أنفسكم قبل أن تمسوها ، وقد كنتم وظفتم عليها أورادا من وظائف العبودية ؛ فنصف ما فرضتم ، وهو المهم منها ؛ لأن عبادتها صارت قلبية ، فيكفيها من العبادة القالبية المهم ، إلا أن تقوى على ذلك مع الشهود . أو يأمرها الذي بيده عقدة نكاحها ، وهو الشيخ ، فلا يضرها الاشتغال بها حيث كان بإذن ، وأن تعفوا ، أيها الشيوخ ، عن المريدين في العبادة الحسية ، وتأمروهم بالعبادة القلبية ، أقرب للتقوى الكاملة ، وهي تقوى السّوى . واللّه تعالى أعلم .